ابراهيم بن عمر البقاعي
368
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أخبر بتمام قدرته ، وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من الأبرار في هذه السورة نحوا مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة ، دل على ذلك بإنجاء أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من أحوالهم بأيسر أمر لأن ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول ، فقال مقسما تنبيها على عادتهم في الكفر مع هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل تكذيبهم عاطفا على ما تقديره : ولقد أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء خطر : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أي بما لنا من العظمة أَشْياعَكُمْ الذين أنتم وهم شرع واحد في التكذيب ، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم ، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم ، فلذلك سبب عنه قوله : فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعاف . . . ، وأن قدرته سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفا من سطوته سبحانه . ولما تمت الدلالة على إحاطة القدة بما شوهد من الأفعال الهائلة التي لا تسعها قدرة غيره سبحانه ، وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه لا يمكن ضبطها ولا يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد ، شرع في إتمام الإخبار بعظمة القدرة بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلا عن كونها محفوظة فقال : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ أي الأشياء في أيّ وقت كان ، كأن بالكتابة فِي الزُّبُرِ * أي كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية ، هذا ما أطبق عليه القراء مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل ، لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد . ولما خصهم ، عم بقوله واعظا ومخوفا ومحذرا بأن كل شيء محفوظ فمكتوب فمعروض على الإنسان يوم الجمع : وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الجواهر والمعاني منهم ومن غيرهم مُسْتَطَرٌ * أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في كتابته وتحريره مع يسر ذلك وسهولته . ولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظا بها وإعلاما بعظمته وعليّ صفاته وسعة مملكته وشامل علمه وقدرته ، ختم بأحوال القسم الآخر من أهل الساعة وهم أهل طاعته تتميما لذلك وإشارة وبشارة للسالك في أحسن المسالك ، فقال مؤكدا ردا على المنكر : إِنَّ الْمُتَّقِينَ أي العريقين في وصف الخوف من اللّه تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئا إلا بدليل . ولما كان من البساتين والمياه ما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما عليه الضال البعيد عن القصد الواقع في الهلاك والنار قال : فِي جَنَّاتٍ أي في بساتين ذات أشجار تسر داخلها ، قال القشيري : والجمع إذا قوبل